على أعتاب الحلم

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين..

بين سفسطة الخيال ومنطقية الواقع تولد الأحلام، وبين ميلاد الحلم وتحقيقه تمتد رحلة طويلة، مليئة بالنهوض والسقوط، والتقدم والتراجع، والحماس والإحباط، والإيمان والإنكار.

فكل واقع نعيشه اليوم كان يومًا مجرد حلم راود الأذهان، غير أن شخصًا واحدًا فقط قرر خوض الرحلة ومواجه العقبات والقتال دون حلمه. عاد من عاد، وتاه من تاه، لكنه على الأقل نال شرف المحاولة، ويكفيه أنه لم يرضَ أن يعيش أسير التردد.

وفي عالم الخط العربي، امتلأت الساحة بكثير من المراكب الهادئة التي آثرت السلامة، وتوخّت الحذر، وابتعدت عن ذلك البحر الهائج الذي يُقال إن من يخوض غماره لا يعود أبدًا. لذلك عاش كثيرون ومضوا وهم يقلدون غيرهم، ويسعون لأن يكونوا نسخًا مكررة ممن سبقوهم، لا لشيء إلا ليضمنوا العودة سالمين… فقط.

على الضفة الأخرى، كان هناك من تعلّم الإبحار أولًا، لكن عينه ظلت معلقة دائمًا بذلك البحر الهادر في الأفق. أخذ من الوقت ما يكفيه للتعلم، وصبر حتى اشتد ساعده، ورسخت يده، واستقام قلمه. ثم اختار أن يخوض البحر، ومضى غير ملتفت إلى الوراء.

تقدم رغم علو الموج، وقاوم رغم شدة الرياح، ولم يكن يدري على وجه اليقين، هل سيصل يومًا أم سيضيع في الطريق؟ لكنه مع ذلك استمر، لأن الذين يصنعون الفرق لا تمنعهم رهبة الاحتمال، ولا يثنيهم غموض المصير. وفي خضم تلك الرحلة الشاقة والمثيرة، لم يكتفِ بمحاولة الوصول، بل اكتشف ضفافاً أخرى، وعرف بلادًا متعددة، واتسعت رؤيته، حتى غدا سفيرًا حقيقيًا للخط العربي، لا لأنه حفظ ما كان، بل لأنه آمن بما يمكن أن يكون.

في رأيي أن السلامة ليست في أن نرسو دائمًا على شاطئ الأمان، بل في أن نعرف متى نغادره. فمن أتقن أصول الخط ثم تجرأ على اكتشاف أفقه، لم يكن مجرد ناقلٍ للجمال، بل صار صانعًا له، وبهذا يبقى الفن حيًا، ويتحول الحلم من سفسطة خيال إلى منطق واقع.

سراج علاف/ جدة
رابع أيام عيد الفطر المبارك لعام ١٤٤٧
بمناسبة تكريم أخي الخطاط القدير زكي الهاشمي بجائزة The Universal Genius الدولية في ميلانو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *